عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

77

اللباب في علوم الكتاب

شكرتك ، فالمعنى شكرت لك صنيعك وذكرته ، فحذف المضاف ؛ إذ معنى الشكر ذكر اليد ، وذكر مسديها معا ، فما حذف من ذلك ، فهو اختصار لدلالة ما بقي على ما حذف . وأصل الشكر في اللغة : الظهور ، فشكر العبد للّه - تعالى - ثناؤه عليه بذكر إحسانه ، وشكر اللّه سبحانه للعبد ثناؤه عليه بطاعته له ، إلا أن شكر العبد نطق باللسان ، وإقرار بالقلب بإنعام الرب . وقوله تعالى : « وَلا تَكْفُرُونِ » نهي ولذلك حذفت منه نون الجماعة ، وهذه نون المتكلم ، وحذفت الياء ؛ لأنها رأس آية وإثباتها أحسن في غير القرآن ، أي : لا تكفروا نعمتي ، فالكفر هنا ستر النعمة لا التكذيب . قوله تعالى : [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 153 ] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ ( 153 ) أعلم أنه - تعالى - لما أوجب بقوله : « فاذكروني » جميع العبادات ، وبقوله : « وَاشْكُرُوا لِي » ما يتصل بالشكر أردفه ببيان ما يعين عليهما ، فقال : « اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ » وإنما خصّهما بذلك لما فيهما من المعونة على العبادات . أما الصبر فهو قهر النفس على احتمال المكاره في ذات اللّه - تعالى - وتوطينها على تحمّل المشاقّ ، ومن كان كذلك سهل عليه فعل الطاعات ، وتحمل مشاق العبادات ، وتجنّب المحظورات . وأما الصلاة فلقوله تعالى : إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ [ العنكبوت : 45 ] . ومن الناس من حمل الصبر على الصوم . ومنهم من حمله على الجهاد ، لقوله تعالى بعده : « وَلا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتٌ بَلْ أَحْياءٌ » ولأنه - تعالى - أمره بالتثبت في الجهاد ، فقال تعالى : إِذا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا [ الأنفال : 45 ] وبالتثبّت في الصلاة وفي الدعاء ، فقال تعالى : وَما كانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وَإِسْرافَنا فِي أَمْرِنا وَثَبِّتْ أَقْدامَنا وَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ [ آل عمران : 147 ] . فصل في أقسام الصبر وذكر الاستعانة والقول الأول أولى لعموم اللفظ وعدم تقيّده الاستعانة ، ذكر الاستعانة بالصلاة ولم يذكر فيماذا يستعان . فظاهره يدل على أن الاستعانة في كل الأمور ، وذكر الصبر ، وهو ينقسم إلى قسمين : أحدهما : الصبر على الطاعات .